تونس — جمعت الشركات الناشئة التونسية نحو 300 ألف دولار في الأشهر الستّة الأولى من سنة 2026، عبر ثلاث عمليات، وفق معطيات منصّة «وامضة» الإقليمية التي نقلتها «أفريكان مانجر». وفي الفترة ذاتها جمعت الشركات الناشئة المغربية 29,4 مليون دولار في ثماني عمليات، وجمعت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجملها 1,7 مليار دولار في 242 عملية.
وخلص مصدر ثانٍ، هو Launch Base Africa، إلى صيغة أشدّ من الاستنتاج نفسه: لم تُغلق في تونس أي جولة تمويل بحقوق ملكية معلنة خلال النصف الأول من السنة. ويحتفظ إحصاؤه الخاص بعملية واحدة — استثمار من ستّة أرقام لصندوق «216 كابيتال» التونسي في شركة RoboCare الناشئة في التكنولوجيا الزراعية، التي تبني منصّة للزراعة الدقيقة تعمل بالذكاء الاصطناعي. ويختلف الإحصاءان في تعريف الجولة المعلنة، لكنّهما يتّفقان على رتبة الحجم: قريبة من الصفر.
والمقارنة مع السنة الفارطة هي أبلغ ما في المعطيات. ففي النصف الأول من 2025، حسب Launch Base Africa، جمعت ستّ شركات تونسية نحو 5,4 مليون دولار، منها 3,5 مليون لشركة Kumulus المتخصّصة في استخلاص الماء من الهواء، وجولات أصغر لشركات Dabchy وGENOW وEasyBank وPixii Motors.
ما الذي تغيّر
السبب الأكثر تواترا في التحليلات هو إصلاح في قانون الشغل. فالقانون عدد 16 لسنة 2025، الصادر في ماي 2025، يمنع فعليا المناولة في الوظائف التي تُعدّ قارّة، ويوجب انتداب الأعوان الأساسيين بعقود غير محدّدة المدّة. وقد عرضته الحكومة كسدّ لثغرة كانت تُبقي عاملين في هشاشة دائمة — وهو تجاوز حقيقي، والغاية المعلنة للنصّ ليست موضع خلاف.
لكنّ آثاره الجانبية أصابت اقتصاد الشركات الناشئة. فقد أعلنت «أديكو»، التي عملت في تونس ثلاثا وعشرين سنة وأمّنت انتداب أكثر من 100 ألف عامل، في أوت 2025 انسحابها من السوق، معتبرة أنّ القواعد الجديدة جعلت نموذجها غير قابل للحياة، حسب Launch Base Africa. وأمام الشركات في مراحلها الأولى، التي تعتمد على مطوّرين أو فرق دعم بالمناولة، خيارَان: تحمّل كلفة تحويل هؤلاء إلى أعوان قارّين، أو إثبات أنّ الوظائف مؤقّتة فعلا، وهو سقف قانوني صعب البلوغ.
والمسألة أثقل في تونس منها في غيرها، لأنّ المناولة كانت حاملة. فلا «إنستاديب» ولا «إكسبنسيا»، وهما أكبر عمليتَي خروج في تاريخ الشركات الناشئة التونسية، حقّقتا سيولتهما عبر كيانات تونسية: كلتاهما أنشأت هيكلا قابضا في الخارج — إنستاديب في المملكة المتحدة وإكسبنسيا في فرنسا — لتلائم هياكل الصناديق الدولية وتتجاوز قيود الصرف، في حين بقي مهندسوهما في تونس يخدمون الشركة الأمّ بعقود خدمات. وبإلغاء هذا الترتيب يزول أحد المزايا الثابتة للبلد.
إصلاح أُنجز نصفه
القيد الثاني هو العملة الصعبة. فحتى ديسمبر 2025 لم يكن مسموحا قانونا للمقيمين بامتلاك حسابات بالعملة الأجنبية، ما دفع المستقلّين والشركات الناشئة الذين يتقاضون باليورو أو الدولار إلى وسطاء مكلفين ومحافظ خارجية. وقد غيّر البرلمان القاعدة في قانون المالية لسنة 2026، فأقرّ التعديل بـ69 صوتا مقابل 17 و17 امتناعا — وهو مقترح كان قد سقط قبل سنة.
غير أنّ النصّ لم يدخل حيّز التنفيذ عمليا. فتطبيقه مرتبط بمناشير من البنك المركزي لم تصدر بعد، وتبقى سقوف المعاملات وشروط الاستفادة وواجبات الامتثال البنكي غير محدّدة. ويفيد مستقلّون بأنّ الفروع البنكية ما زالت غير مجهّزة لمعالجة الطلبات، ويواصل كثيرون تلقّي مدفوعاتهم الدولية عبر شبكات العملات المشفّرة من ندّ إلى ندّ بدلا من المنظومة البنكية.
ما تشير إليه المقارنة
يقدّم النصف الأول المغربي الحالة المقابلة: جولة سلسلة أ بقيمة 15 مليون دولار لشركة العقارات التكنولوجية Yakeey بدعم من Enza Capital ومؤسّسة التمويل الدولية وBeltone VC وCDG Invest؛ و4 مليون دولار لشركة التكنولوجيا المالية WafR من تجمّع يضمّ LoftyInc والتجاري وفا بنك والمدى وجامعة محمّد السادس متعدّدة التخصّصات التقنية؛ وجولات تأسيسية لشركات Enakl وZ.systems وWeego، عدّة منها بمساهمة مستثمر محلّي صاعد بسرعة هو Azur Innovation Fund. لم يخرج رأس المال من شمال أفريقيا، بل انتقل 1900 كيلومتر غربا.
وما تخلص إليه القراءتان هو أنّ القيد الحاسم ليس «قانون الشركات الناشئة»، الذي ما زال قائما، بل القواعد المحيطة به: مجلّة شغل تعاقب مرونة الانتداب التي تحتاجها المؤسّسات الفتيّة، وإصلاح صرف مرّ نصّه ولم تمرّ مناشيره. ولا يحتاج أيّ منهما إلى مال جديد ليُصلَح.