سيدي بوسعيد — دخلت القرية المطلّة من أعلى الجرف على خليج تونس قائمة التراث العالمي لليونسكو يوم 25 جويلية، بقرار بالإجماع من الدورة الثامنة والأربعين للجنة التراث العالمي، التي انعقدت في بوسان بكوريا الجنوبية واختُتمت يوم الأربعاء.
وقُدّم الملفّ تحت عنوان «قرية سيدي بوسعيد: مركز إلهام ثقافي وروحي في المتوسّط»، وأُدرج الموقع بموجب المعيار الثالث — وهو البند المخصّص للأماكن التي تقدّم شهادة استثنائية على تقليد ثقافي أو حضارة. ويرفع الإدراج رصيد تونس إلى عشرة مواقع مصنَّفة: تسعة ثقافية وواحد طبيعي هو بحيرة إشكل. وفي مقارنة بين الدول العربية، وضعت «الإيكونوميست المغاربي» تونس في الصدارة أمام المغرب بتسعة مواقع.
وهو ثاني اعتراف من اليونسكو تناله البلاد هذه السنة. ففي أفريل انضمّ جيوبارك الظاهر، في الجنوب، إلى الشبكة العالمية للجيوباركات التابعة للمنظّمة.
ما الذي جرى الاعتراف به
يقوم الملفّ على ما هو أقلّ بداهة من البطاقة البريدية. فسيدي بوسعيد ليست مجرّد منحدر خلّاب مصبوغ بالأزرق والأبيض. لقد دافعت الترشيحات عن القرية بوصفها مكان انتقال — تجمّعا صوفيا نشأ حول زاوية أبي سعيد الباجي فاستقطب الزوّار، ثمّ مغناطيسا للرسّامين والموسيقيين والكتّاب من ضفّتَي المتوسّط، من بول كلي وأوغست ماكه إلى الحداثيين التونسيين.
أمّا الأزرق والأبيض نفساهما فهما سياسة موثّقة لا فولكلورا: فقد ضُبطت لوحة الألوان في مطلع القرن العشرين، والقرية محميّة بموجب التراث الوطني منذ 1915 — من أوائل قرارات الحماية من هذا النوع في إفريقيا. والإدراج، بهذه القراءة، اعتراف بقرن من العناية المقصودة، لا بمصادفة ضوء.
وتضمّ تونس قرابة 50 ألف موقع أثري مُحصى، والمواقع العشرة المدرَجة انتقاء ضيّق ومدروس من هذا الجرد.
الفاتورة التي ترافق اللافتة
صفة التراث العالمي حزمة التزامات، وسجلّ القرى المتوسّطية المماثلة تحذير بقدر ما هو تشجيع. فالإدراج يرفع عدد الزوّار، وعدد الزوّار هو ما يُتلف التجمّعات التاريخية الصغيرة. سيدي بوسعيد نحو خمسة آلاف ساكن وشارع رئيسي واحد، مشبع أصلا في عطل الصيف، ويواجه أصلا الضغوط المعروفة في كلّ قرية ساحلية مصنَّفة: كراءات قصيرة المدّة تزيح المقيمين، وتجارة تذكارات تطرد التجارة العادية، وسوق سكن يُخرج منها العائلات التي يشكّل بقاؤها بالذات ما يُراد حمايته.
وإلى ذلك قيد داخلي. فمؤسّسات التراث في تونس تشتغل منذ سنوات بميزانيات لم تواكب حجم المواقع الموكولة إليها؛ والقول بأنّ البلاد لا تموّل بما يكفي التراث الذي تشتهر به ليس جديدا، والإدراج لا يحلّه. فاليونسكو تشترط مخطّط تصرّف وتقارير دورية، لكنّها لا توفّر المراقبين ولا مهندسي الترميم ولا وسائل الإنفاذ.
الإجراءات المطروحة
الحلول التي يقترحها أهل المهنة هي تلك التي التقت عندها مواقع متوسّطية مصنَّفة أخرى، ولا شيء فيها غريب. فقد لجأت دوبروفنيك والبندقية إلى سقف يومي لعدد الزوّار وإلى الدخول بمواعيد؛ وقيّدت عدّة بلديات جزرية يونانية وإيطالية رخص الكراء قصير المدى الجديدة داخل المحيط المحمي؛ ويموّل عدد من المدن المصنَّفة أشغال الحفظ مباشرة من معلوم زيارة، بحيث تدفع الجموع كلفة إصلاح ما جاءت لرؤيته.
وكلّ إجراء من هذه يفترض سلطة بلدية تملك الصلاحية القانونية والميزانية للتحرّك. وهنا يقف النقاش التونسي اليوم.
الاختبار العلني الأوّل قريب. فخرجة سيدي بوسعيد، الموكب السنوي الذي ينطلق من الزاوية ويجوب القرية، ستُقام يوم السبت 12 سبتمبر، حسب موقع «ويبدو» — وهي الأولى بعد الإدراج، ومقياس مفيد لقدرة القرية على استيعاب الاهتمام الذي تجلبه لافتة التراث العالمي.